أبو نصر الفارابي
47
كتاب الحروف
بابن السرّاج ركّز الصلة بين علوم النحو واللغة من جهة وعلوم المنطق والفلسفة من جهة أخرى ، وكان صلة الوصل بين الفارابيّ والتراث النحويّ واللغويّ العربيّ . ( 8 ) الفارابيّ ومناظرة متّى والسيرافيّ في سنة 320 ه ( أي بعد وفاة ابن السرّاج بأربع سنين ) جرت مناظرة في حديث المنطق والنحو في بغداد في مجلس الفضل بن جعفر بن الفرات وزير الخليفة المقتدر ، بين أبي سعيد السيرافيّ اللغويّ الفقيه المتكلّم الذي أخذ عن ابن السرّاج ، والفيلسوف المنطقيّ النسطوريّ أبي بشر متّى بن يونس ( المتوفّى سنة 328 ه ) الذي كان قدم حديثا إلى بغداد واجتمع إليه الناس في مجلس التعليم وسار الحديث عن مجلسه وما يقوله في تفخيم المنطق وما يدّعيه من أنّ النحويّين مع اللفظ لا مع المعنى . وحضر هذه المناظرة عدد من العلماء وأصحاب الشأن يومئذ في بغداد ، منهم علي بن عيسى الرمّانيّ - المذكور سابقا بين الذين أخذوا عن ابن السرّاج - الذي كتب المناظرة يومئذ ورواها مشروحة وأملاها على أبي حيّان التوحيديّ ( وروى أبو سعيد السيرافيّ أيضا لمعا منها للتوحيديّ ) ووضعها التوحيديّ في الليلة الثامنة من كتاب « الإمتاع والمؤانسة » ( ج 1 ، ص ص 107 - 128 ) . وليس هذا مجال شرح هذه المناظرة وتتبّع أصول آراء السيرافيّ الكلاميّة واللغويّة ( راجع مقالنا « اللغة والمنطق في الإسلام » ) ، وغرضنا هو الإشارة إلى أنّ هذه المناظرة اعتبرت في أوساط بغداد الأدبيّة والعلميّة انتصارا للنحو على المنطق ، وللنحويّين والمتكلّمين على أصحاب المنطق والفلسفة . فمن أسباب اندحار متّى أنّه لم ينظر في النحو وأحكام اللغة ( التوحيديّ « الإمتاع » ج 1 ، ص 114 ، س س 5 - 9 ) وكان يجهل الحروف ومعانيها ومواضع استعمالها ( ص 111 ، س س 9 - 10 ، ص ص 116 - 117 ) ، ومع ذلك يدّعي أنّ النحويّين لا يعرفون مواقع الحروف ( ص 117 ، س 9 ) . ونجح السيرافيّ في المناظرة في إظهار جهل متّى باللغة العربيّة ونحوها وفقهها ، وعدم غناء تفخيمه للمنطق وادّعائه أنّه لا حاجة بالمنطقيّ إلى النحو ، وعجزه عن إقناع النظّارة كتاب الحروف - 4